ابن أبي الحديد

287

شرح نهج البلاغة

ثم عاد إلى وصف الدنيا وطالبها فقال : إن قيل : أثرى قيل : أكدى ، وفاعل ( أثرى ) هو الضمير العائد إلى من استشعر الشغف بها . يقول بينا يقال : أثرى ، قيل : افتقر ، لأن هذه صفة الدنيا في تقلبها بأهلها ، وإن فرح له بالحياة ودوامها ، قيل : مات وعدم ، هذا ولم يأتهم يوم القيامة يوم هم فيه مبلسون ، أبلس الرجل يبلس إبلاسا أي قنط ويئس ، واللفظ من لفظات الكتاب العزيز ( 1 ) . [ نبذ من الأقوال الحكيمة في وصف حال الدنيا وصروفها ] وقد ذكرنا من حال الدنيا وصروفها وغدرها بأهلها فيما تقدم أبوابا كثيرة نافعة . ونحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك . . فمن كلام بعض الحكماء : ويل لصاحب الدنيا ، كيف يموت ويتركها ، وتغره ويأمنها وتخذله ويثق بها ! ويل للمغترين ، كيف أرتهم ما يكرهون ، وفاتهم ما يحبون ، وجاءهم ما يوعدون ! ويل لمن الدنيا همه ، والخطايا عمله ، كيف يفتضح غدا بذنبه . وروى أنس قال : كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله العضباء لا تسبق ، فجاء أعرابي بناقة له فسبقها ، فشق ذلك على المسلمين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( حق على الله الا يرفع في الدنيا شيئا إلا وضعه ) . وقال بعض الحكماء : من ذا الذي يبنى على موج البحر دارا ! تلكم الدنيا ، فلا تتخذوها قرارا .

--> ( 1 ) وهو قوله تعالى في سورة الروم 12 : ( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ) .